تُعدّ العمرة من القربات التي دعا إليها الشرع وحث عليها، وجعل فيها من الأجر والفضل ما يَشوقُ القلوب ويُحرّك العزائم، ومن أعظم أركانها الإحرام، إذ هو الفاصل بين حال الإباحة والنسك، ومفتاح الدخول في عبادةٍ جليلة لها ضوابطها ومحظوراتها، ويختص إحرام الرجل بجملة من الأحكام تختلف في بعضها عن المرأة، وهو موضع عناية العلماء واهتمام الفقهاء عبر العصور، وفي السطور التالية سنُعرفك على كل ما تحتاجه عن إحرام الرجل للعمرة.
مواقيت إحرام الرجل للعمرة
إنَّ العمرةَ من أعظم القُرُبات التي يتقرب بها المسلم إلى ربِّه، وهي سُنَّة مؤكَّدة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومن أعظم أركانها الإحرام، وهو نية الدخول في النسك.
يتجرَّد به العبد عن لباس الدنيا ومظاهر الزينة، ليقف بين يدي الله خاشعًا متواضعًا، مبتغيًا المغفرة والرضوان، وقد حدَّد النبي -صلى الله عليه وسلم- مواقيت زمانية ومكانية للإحرام.
أما الزمانية، فهي في أي وقت من العام للعمرة، إذ لا تُقيَّد بشهر أو يوم، وأما المكانية، فهي خمسة، تُعرف باسم المواقيت المكانية، وهي:
- ذو الحُليفة: لأهل المدينة ومن مر بها.
- الجُحفة: لأهل الشام ومن أتى من طريقهم.
- قرن المنازل "السيل الكبير": لأهل نجد والطائف.
- يَلملم: لأهل اليمن.
- ذات عِرق: لأهل العراق.
وعلى من مر بهذه المواقيت وهو يريد العمرة أن يُحرم منها، فإن جاوزها دون إحرام، لزمه الرجوع إليها إن لم يُحرم، أو فديةٌ إن أتم عمرته.
كيفية إحرام الرجل للعمرة
إن النفس لتتوق إلى لحظة يتجرد فيها الإنسان من دنياه، يتخفف من همومه، ويتخلص من تبعاته، ويعود إلى خالقه بقلب أنقى، وروح أنظف، ولعلّ في الإحرام للعمرة تجسيدًا حيًا لهذا التوق، ويتم الإحرام على النحو الآتي:
1- الاغتسال والتجرد من المخيط
يُستحبُّ للرجل قبل الإحرام أن يغتسل، كما يغتسل للجنابة، ويقص أظفاره ويزيل عانته، وهذا الفعل من السنة، ثم يتجرد من ثيابه المعتادة، ويلبس الإزار والرداء الأبيضين النقيين، ويُستحب أن يكونا من غير مخيط أو مزخرف.
ويُقصد بالمخيط ما كان مفصلًا على الجسد، كالقمصان والسراويل، وليس ما فيه خياطة فحسب، فالإزار والرداء قد يكون فيهما خياطة ولكن لا يُعدّان من "المخيط" المنهي عنه.
2- التطيب قبل عقد نية الإحرام
يُسنّ للرجل أن يتطيَّب في بدنه لا في ثوبه، ويكون ذلك قبل نية الإحرام، وليس بعدها، فإن فعل ذلك، ثم لبس ثياب الإحرام، فلا حرج عليه. وهذا من هدي النبي صلى الله عليه وسلم.
3- الصلاة ركعتين
يُستحب أن يُصلي الرجل ركعتين قبل عقد نية الإحرام، وإن كانت الصلاة ليست شرطًا للإحرام، فإن وافق وقت الصلاة المفروضة، أحرم بعدها، وإن لم يكن وقت صلاة، صلى ركعتين تطوعًا.
4- النية والتلفظ بها
ثم يُعقد النية بقلبه، ويقول بلسانه: "لبيك عمرة" أو "اللهم لبيك عمرة"، أو "لبيك اللهم عمرة متمتعًا بها إلى الحج" إن كان سيؤدي الحج بعد العمرة في نفس الموسم.
ويُسمى ذلك التلبية بالنسك، وهي لحظة عظيمة، يدخل بها العبد في الإحرام، فيُصبح مُحرِمًا وتبدأ المحظورات عليه.
5- رفع الصوت بالتلبية
من أعظم شعائر الإحرام التلبية، وهي إعلان العبودية والتوحيد، فيقول الرجل: "لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْك، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْك، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْك، لَا شَرِيكَ لَكَ".
ويُسنّ للرجل أن يرفع صوته بها، خلافًا للمرأة، ويُكثر منها في كل حال، أي عند ركوب السيارة، وعند الصعود والنزول، وفي كل وقت، حتى يصل إلى مكة.
محظورات إحرام الرجل للعمرة
إذا أقبل الرجل للإحرام، فقد حُرِمَ عليه بعض الأمور التي ستؤثر على صحة إحرامه، وتشتمل على:
- لبس المخيط كالقمصان والسراويل والجوارب.
- التغطية الكاملة للرأس، كلبس العمامة أو الغترة.
- التطيب بعد الإحرام.
- قص الشعر أو تقليم الأظفار.
- الجماع أو مقدماته.
- عقد النكاح أو الخطبة.
- قتل الصيد البري أو الإعانة عليه.
ومن فعل شيئًا من هذه المحظورات متعمدًا، فعليه الفدية حسب نوع المخالفة، وقد تصل إلى ذبح شاة أو صيام ثلاثة أيام أو إطعام ستة مساكين.
نهايةً.. إن الإحرام للعمرة ليس مجرد مظهر خارجي، بل إعلان لحالة من الخشوع والطهارة والنية الصادقة، يُقدِم به المسلم قلبه وروحه بين يدي الله، فهو بوابة الدخول إلى رحاب الكعبة المشرفة، وافتتاح رحلة إيمانية لا تُنسى، وكلما صدق العبد في نية العمرة، وحرص على تمام الإحرام، كانت عمرته مقبولةً بإذن الله، وله من المغفرة والرحمة والقبول أوفر النصيب.
اقرأ أيضًا: