في زحمة الحياة كثيرًا ما نضيع، نغترب عن أرواحنا، ونتراكم فوق أنفسنا كما يتراكم الغبار على المرآة والحوائط القديمة، حتى يأتي موسم الحج لاستعادة النسخة الأصلية من النفس، وفي كل يوم من أيامه اسم، وفي كل اسم مفتاح لباب من أبواب العودة والترقي، يتكلم كل يوم في الحج لا بلغة الزمن بل الروح، وفي السطور التالية لن نقف عند حدود اسماء ايام الحج بل نعبر بك إلى ما ورائها حيث تسكن المعاني الكبرى التي خُلِقَت من أجلها تلك الأيام.
اسماء ايام الحج
ليست الأماكن وحدها من تكتسب الشرف بالعبادة، بل الزمان أيضًا، وأيام الحج هي قمم الزمان، أوقات تفوح منها رائحة المغفرة، وتُضاء فيها الطرقات إلى الله.
وفي تلك الأيام تختار السماء أسماءً لها كأنها تصف حالة القلب في كل مرحلة من مراحل الرحلة، وفيما يلي نُعرفك على اسماء ايام الحج:
1- يوم التروية
هو اليوم الثامن من ذي الحجة، يُطلق عليه "يوم التروية"، وهو اليوم الذي يتروى فيه الحاج من الماء استعدادًا ليوم عرفة، فحينما كان الحجاج قديمًا يتزودون بالماء في منى، قبل أن يخرجوا إلى عرفات حيث لا ماء هناك.
لكن اسم "التروية" له أيضًا معانٍ أعمق من ذلك، فكأن الحاج يتروّى في قلبه، ويملأه نية صادقة، ويستجمع همّته، ويراجع عزيمته، وفي هذا اليوم يلبس الحاج إحرامه من مكة إن لم يكن محرمًا متوجهًا إلى منى.
فيقضي الحاج ليلته في منى مكثرًا من التلبية والدعاء والتضرع لله تعالى والتقرب منه، وتلك هي أول خطوة عملية نحو التجرد الكامل، وأول لبنة في بناء الروح الجديدة.
2- يوم عرفة
إنه اليوم التاسع من ذي الحجة، ويُعد من أعظم أيام الدنيا.. يوم الوقفة الكبرى؛ حيث يصطف الحجيج في صعيد عرفات وقد تجردوا من زينة الحياة متجهين بقلوبهم إلى الواحد الأحد.
ذلك اليوم يُعرف باسم "يوم عرفة" نسبةً إلى جبل عرفة أو عَرَفات، فيجتمع الحجاج للوقوف، وهو ركن الحج الأعظم، ومن فاته الوقوف فيه فقد فاته الحج بالطبع.
وهذا اليوم العظيم ليس للحج وحده، بل إنه للأمة كلها، ففيه تُغفر الذنوب، وتُعتق الرقاب، ويُباهي الله ملائكته بعباده، ويُستحب فيه الصوم لغير الحاج، ويُقال إن صيامه يُكفر ذنوب عامين.. إنه يوم المناجاة والانكسار.
3- يوم النحر
اليوم العاشر من ذي الحجة، أول أيام عيد الأضحى المبارك، وأعظم الأيام عند الله، ففيه تُذبح الأضاحي، وتُرمى جمرة العقبة الكبرى، ويُحلق الشعر أو يُقصر، ويُطاف طواف الإفاضة.
يُسمى أيضًا هذا اليوم بـ "يوم الحج الأكبر"، ففيه تتجلى معاني التضحية والفداء، حيث يقتدي المسلمين بإبراهيم حينما سلّم لله أغلى ما يملك.. "ابنه للتضحية".
لا يقتصر هذا اليوم على ذلك فقط، بل أيضًا يطوف فيه الحجاج طواف الإفاضة، وهو ركن من أركان الحج، ليكونوا قد أتموا معظم المناسك الكبرى.
4- أيام التشريق
هم أيام الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من ذي الحجة، يُعرفوا بأيام التشريق من اسماء أيام الحج.. ثلاثة أيام مباركة يُقيم فيها الحجاج في منى، يبيتون بها ويرمون الجمرات الثلاث كل يوم بعد الزوال.
سُميت أيضًا "تشريقًا" لأن الناس في الجاهلية كانوا يُشرّقون اللحوم، أي يقددونها ويجففونها تحت الشمس من أجل أن تكون زادًا يدوم، ولكن خلف تلك التسمية يُخفي الزمان معاني سامية؛ فهي أيام أكل وشرب وذِكر.
ففيها يذكر الحاج ربّه عقب الصلوات، ويكثر من التكبير.. في مشهدٍ يهرّ القلوب، وتتعالى أصوات الحجيج بالتكبير "الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر ولله الحمد".
أيضًا يُختبر الصبر والهدوء والسكينة في تلك الأيام؛ لأن رمي الجمار يقتضي ترتيبًا وانضباطًا معينًا، ليس مجرد عملية لإلقاء الحجارة، وكل حجرٍ يُرمى، هو حجرٌ على هوى النفس، ووساوس الشيطان، وقيود الذنوب.
إن لكل رحلة خريطة، وكل طريق له علامات، أمّا طريق الحج فقد وضِعَت علاماته باسماء ايام الحج التي لا تُنسى، أسماءً ليست عادية بل مقصودة ولها دلالات روحية وتربوية تُرشد الحاج في كل خطوة، وتعد بمثابة محطات نور، متى أحسن الحاج التفاعل معها وصل إلى المقصود، ومتى غفِلَ عنها سار في الزحام دون أن يتغير شيء في داخله.
اقرأ أيضًا: