حين يخرج المسلم من بلده قاصدًا بيت الله الحرام، فإنه لا يذهب في رحلة عادية، بل يسلك دربًا من أعظم دروب الطاعة، ويُقبل على عبادة لا تُشبهها عبادة، والحج لا يبدأ من مكة، بل من لحظة الإحرام، حين يتجرد الحاج من ثيابه، ومن كثير من المباحات، ويعلن بلسانه ونيته أنه داخلٌ في النسك، والإحرام ليس شكلًا واحدًا، بل له أنواع متعددة، جاءت بها السنة لتوسّع على الأمة وتراعي أحوالهم المختلفة، وفي السطور التالية سنعرفك على أنواع الإحرام .
أنواع الإحرام
الحج والعمرة هما من أعظم الشعائر التي تجلّت فيها معاني العبودية والتسليم لله عز وجل، ويقف المسلم فيها موقف العبد الخاضع المنقطع إلى خالقه، متجردًا من الدنيا وزينتها، متوشحًا بثوب الإحرام، شاخصًا ببصره إلى بيت الله الحرام.
ولكي يكون هذا التوجه مقبولًا، فلا بد من معرفة ضوابطه وأحكامه، وفي مقدّمة ذلك: أنواع الإحرام، التي تشكل المدخل العملي والفقهي لشعائر الحج والعمرة، فما هي أنواع الإحرام ؟
اتفق العلماء على أن للإحرام ثلاثة أنواع رئيسية، وكل نوع منها له أحكامه ومزاياه وتفصيلاته، وسنبينها على النحو الآتي:
1- التمتع
هو أن يُحرم الحاج بالعمرة في أشهر الحج "وهي: شوال، وذو القعدة، وأيام من ذي الحجة قبل يوم التروية"، ثم يتحلل منها، ثم يُحرم بالحج من مكة يوم الثامن من ذي الحجة أو قبله، وهو ما يسمى بـ "يوم التروية".
خصائص التمتع
- يتمتع الحاج بين العمرة والحج، أي يتحلل بينهما، ولهذا سُمي متمتعًا.
- يجب على المتمتع هدي، يذبحه في يوم النحر (العاشر من ذي الحجة).
- هذا النوع من الإحرام هو الأفضل في حق من لم يكن ساكنًا في الحرم.
- يتيح للحاج الراحة بعد أداء العمرة، ويتحلل من المحظورات.
- يجمع بين العمرة والحج في سفرة واحدة، وهو الأصلح لمن لم يأتِ بالهديّ.
2- القران
يعني أن يُقرِنْ الحاج بين الحج والعمرة في إحرام واحد، أي يقول: "لبيك اللهم عمرةً وحجًا"، أو يُحرم بالعمرة ثم يُدخل عليها الحج قبل أن يطوف.
خصائص القران
- لا يتحلل بين العمرة والحج.
- يجب عليه الهدي، كالمتمتع.
- يُؤدي مناسك العمرة ثم يكمل بالحج في نفس الإحرام.
- القارن له حكم الحاج، ويكفيه طواف وسعي واحد بنية العمرة والحج.
- هذا النسك كان هو نسك النبي صلى الله عليه وسلم، لكنه فعل القران لأنه ساق الهدي.
جدير بالذكر أنه يُستحب القران لمن جاء بسياق الهدي، أو خشي ألا يتمكن من الحج منفردًا.
3- الإفراد
الإفراد هو أن يُحرم الحاج بالحج وحده من الميقات، فيقول: "لبيك حجًا"، ويظل في إحرامه حتى يُتم مناسكه.
خصائص الإفراد
- لا يُقرن معه عمرة، وإنما يكون الحج وحده.
- لا يجب عليه هدي، إلا إذا تطوع.
- بعد أداء الحج، يمكنه أن يعتمر، لكن من خارج الحرم.
يجدر بالذكر أن هذا النسك يُستحب لمن كان مقيمًا في مكة أو من لم يكن معه هدي ولم يرد العمرة.
كيف تختار نوع الإحرام المناسب لك؟
لتعدد أنواع الإحرام ولا سيما لأنها فريضة قد يقوم بها المسلم مرة في العمرة، فيحتار.. كيف يختار نوع الإحرام المناسب له؟ وهذا يتوقف على عِدة أمور يسألها لنفسه:
- هل تنوي أداء العمرة مع الحج في نفس الرحلة؟ إن كان لا، الحج فقط يعني الإفراد هو المناسب.
- هل أتيت إلى مكة قبل أيام الحج بوقت كافٍ يسمح بأداء العمرة؟ إن كانت الإجابة نعم، فيمكن أن تختار بين التمتع، أو القران، وإن لا فالأفضل لك القران.
- هل معك هدي (ذبيحة تُهدى في الحج)؟ إن كانت الإجابة لا فالأفضل لك هو التمتع، أما إن كان نعم الأفضل هو القران.
- هل أنت من أهل مكة؟ إن كنت من أهل مكة أو مقيمًا فيها فلا يصح لك التمتع أو القران على الراجح، لأن التمتع يشترط الإتيان بالعمرة من خارج مكة، والأفضل لك الإفراد بالحج فقط، ثم يمكنك العمرة لاحقًا.
- هل تبحث عن الأيسر والأسهل في مناسك الحج؟ فالتمتع هو الأسهل والأرفق لكثير من الناس.
نهايةً.. إن أنواع الإحرام هي أبواب عظيمة يدخل منها العبد إلى رضوان الله، ولكل نسكٍ منها نكهته الخاصة ومكانته الفقهية، وليس الغرض منها التنافس في الشكل، بل في الإخلاص والاتباع والتجرد لله عز وجل، ومن هنا فإن الحاج أو المعتمر حين يختار نسكه، لا يختاره من منطلق الترف، بل من منطلق العلم، والاتباع، ومراعاة حاله وظروفه.
اقرأ أيضًا: