إن الحج من أركان الإسلام، وشعيرة كبرى تنفرد باقترانها بشرطٍ صريح في القرآن بالاستطاعة، وهذا ما فتح بابًا واسعًا للتأويل الفقهي والاجتهاد المعاصر حول ماهية تلك الاستطاعة ومجالاتها وحدودها وآثارها الاجتماعية والشرعية، فهل يكفي أن يكون الإنسان قادرًا ماليًا وجسديًا فقط؟ أم هناك أبعادًا أوسع؟ في السطور التالية سنتطرق بالحديث عن الاستطاعة في الحج تفصيليًا.
الاستطاعة في الحج.. أكثر من القدرة المالية والبدنية
قال تعالى في سورة آل عمران: "وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا (97)"، وهكذا لا يحمّل الله تعالى عباده فوق طاقتهم، بل إنه يضع حدودًا رحيمة تؤطر التكليف ضمن ما يقدر عليه الإنسان.
حيث إن الاستطاعة في معناها الجليّ تعني القدرة على الحج بدنيًا وماليًا، لكن حقيقةً هي أوسع من ذلك بكثير، فالاستطاعة تشمل المال، ولكن الفائض عن الحاجة بما لا يخلّ بمعيشة مَن يعولهم الحاج بعد غيابه.
كذلك تشمل الجسد، لكن لا يكفي أن يكون الإنسان قادرًا على المشي فقط، بل لا بد من أن يتحمّل مشاق السفر، وتبدّل المناخ، والتنقل بين المناسك، بالإضافة إلى الاستطاعة الأمنية كذلك!
فكم من مسلم اشتاق وأرادت نفسه الحج والتقرب لله تعالى، ولكن الحروب أو النزاعات أو الفتن أو القوانين هي ما كانت تحوّل بينه وبينهم، فالاستطاعة ليست فقط ما يقدّره الطب أو الجيب، بل ما يسمح به الظرف والواقع.
بين الظاهر والباطن في الاستطاعة في الحج
هل خطر ببالك من قبل أن من الناس من يملك المال والصحة، لكنه لا يحج؟ البعض يراه تقصيرًا، لكنّ الفقهاء يرون أن الاستطاعة في الحج تتضمن شيئًا معنويًا "العزم الصادق".
فعلى الإنسان أن يشعر بشوقٍ يدفعه ويهيئه للحج، لا ترقًا أو استعراضًا، بل إنه تعبدًا وتقربًا، ومن هنا يتجلى بُعد أخلاقي للاستطاعة.. من لم يحنّ قلبه بعد لبيت الله ربما يُدعَ بعد.
فرب مستطيع في الظاهر، معسور في الباطن، ورب محروم في المال لكن قلبه يطوف كل ليلة، فلا يحزن أحد سيأتيه ما يُقدّره الله في ميعاده المكتوب والمناسب.
هل يُغني الحج عن أداء الحقوق الأخرى؟
إن بعض الناس يروا أن الحج تتويجًا للإيمان، لذا تجدهم دائمًا ما يسارعون إليه بينما عليهم ديون، أو واجبات عائلية، أو أخطاء في حق غيرهم، رغم أن الاستطاعة في الحج تشمل الفائض من المال!
لذا هُنا تُطرح مسألة فقهية وأخلاقية، هل يُقدم الحج على ردّ المظالم أو الحاجة الضرورية للعيش؟ لا، بل الاستطاعة تتضمن أن يكون الإنسان خالي الذمة، وقادرًا على أداء الحقوق، من ثم عليه بالحج.
نهايةً.. إن الاستطاعة في الحج ليست قيدًا بل رحمة من الله تعالى، ولا عذرًا للتكاسل، بل معيار للصدق والنية، وميزان دقيق بين الممكن والمأمول والعزم والظرف، وفهمها فقهًا وسلوكًا، وهو جزء من الفهم العميق لهذا الدين الذي لا يُكّلف نفسًا إلا وسعها، ولا يطلب من العبد إلا ما يقدر عليه فقط.
اقرأ أيضًا: